فهرس الكتاب

الصفحة 1404 من 4219

فعمر أسلم، وقد ظن عامر أن يسلم الحمار دونه، وأمهل النبي - صلى الله عليه وسلم - قومه، مع كل ما كان يواجهه من ظلم وعنت، يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا، فأمهل أبا جهل، وأمية، والوليد بن المغيرة. ودعا لقومه بالهداية في أحد، وهم الذين أدموا وجهه، وكسروا رباعيته، فقال: رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون، كما في الشفاء للقاضي عياض. فهدى الله من شاء منهم، وتاب عليهم، فآمن به واتبعه، أبناء أولئك الصناديد، رؤوس الكفر وقادة حزب الشيطان، نعم، لقد آمن به واتبعه قائد فرسان المشركين في أحد خالد بن الوليد بن المغيرة، بل صار سيفا من سيوف الله مسلولا على أهل الكفر والزيغ والعناد. وآمن به صفوان ابن أمية بن خلف، وآمن به عكرمة بن أبي جهل، وما كان بين تلك المشاهد إلا بضع سنين بين كل مشهد ومشهد.

أيها المسلمون: هل نستطيع صبر أنفسنا عن شهوة الانتقام، والانتصار، والعلو؟ هل نستطيع كبح جماحها حتى مع وجود الدليل حتى لا تطغى، أو تحيد أو تميل؟ ولتنظر في عواقب الأمور، وتسبر غورها قبل أن تقدم على أي فعل قد ينتج نصرا، وقهرا، وعزا في وقته، ولكنه يزداد من ذلك كله في حال الصبر والتحمل، والفأل!

ألسنا نميل غالبا إلى أن لا نعطي الدنية في ديننا؟ وهذا حق، ولكن قد يكون أحق من هذا الحق ما تثمره شجرة الصبر والتأني والحكمة.

إن اليأس من هداية الناس، أو إصلاحهم محطم للعزائم، موهن للهمم، دافع من تملكه ذلك اليأس إلى قتل نفسه، وقتل من يظن أنه لا يؤمنون، وأنهم لا يهتدون. وفي الحديث: من قال هلك الناس فهو أهلكُهم، أو أهلكَهم ... وكلا المعنيين صحيح.

ولهذا فإن من الواجب علينا أن نتواصى بالحق، وأن نتواصى بالصبر، مع الإيمان والعمل الصالح، ولننظر بعين العطف على الضالين، ولنغطهم بجناح اللطف والحرص على هدايتهم، وردهم إلى الله، ولنسأل الله الثبات على الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت