فهرس الكتاب

الصفحة 1421 من 4219

وعلى أننا متفقون على هذا نظرياً؛ إلا أن بعض الوعّاظ قد تمرَّد على هذا الاتفاق عملياً، فأرغم الناسَ على سماع موعظته بأساليب فيها معنى القسر والإكراه على السماع، ولولا إفلاسُه من مهارات الإلقاء وأساليب التشويق والتأثير وحسن السبك لما لجأ إلى تلك الأساليب (الإكراهية) لحبس الناس لموعظته، فأوجب عليهم ما لم يوجبه عليهم ربهم، ونفَّرهم وهم جلوس إليه! ولَتنفيرُه هذا أشدُّ مِن تنفير مَن ينفِّر بأسلوبه من غير أن يُرغمَ أحداً على الاستماع إليه؛ فالنافر الذي يخرج مختاراً لا شك أنه أقل سخطةً من نافرٍ راغبٍ عن الموعظة راغبٍ في الانصراف فيُرغَم على الجلوس مُكرهاً.

فهذا أحدهم، يتحين في إلقاء موعظته وقتاً يكتظ المسجد فيه بالمصلين، وهو وقت صلاة التراويح، ولكنه ـ لِما يعلم من إفلاس موعظته من المؤثرات والمشوقات ـ يخشى لو جعلها بعد انصراف الإمام من صلاة الوتر ألاّ تجلس إليه تلك الجموع الحاشدة، فيحتال لأجل إرغامهم على الجلوس لها بحيلة قذرة، لا يحتالها إلا من أفلس من مهارات الإلقاء والأساليب المؤثرة، فقد عمد صاحبُنا إلى جعل موعظته (الميتة) قبل صلاتي الشفع والوتر، وربما بدأها بالتأكيد على أن الاستماع إليه غير واجب، وأنه لا يملك ـ شرعاً ـ أن يُكرِه أحداً على الجلوس لها!! يقول هذا وهو يعلم أن الناس إنما هم محبوسون لصلاتي الشفع والوتر؛ فهم لن يخرجوا قبل أن ينصرفوا مع إمامهم لتُكتب لهم قيام ليلة؟!!

أليس هذا من أعظم التنفير عن المواعظ وتكريِه الناس في الوعاظ؟!

أليس في هذا الإكراه لسماع الموعظة مخالفة لهدي النبي وسنته؟! أليس من الابتداع في الدين أن يتحيّن الواعظ هذا الوقت غير المناسب ويجعله ميقاتاً لموعظته؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت