وهذا واعظٌ آخر كان يعلم ـ بواقع تجربته ـ أنه مفلس من تلك الأساليب المؤثرة فلجأ إلى تخويف المنصرفين عنه وعن موعظته (المحنّطة) بنصوص شرعية يوردها في غير موضعها؛ فيبدأ موعظته ـ قبل أن يرى منصرِفاً عنه ـ بالتخويف من الإعراض عن الذكر بما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد والناس معه؛ إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان وذهب واحد، فوقفا على رسول الله، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً. فلما فرغ - صلى الله عليه وسلم - قال: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ، فكأنه ـ حين صدَّر بهذا الحديث موعظته ـ يريد أن يجعل موعظته كموعظة الرسول، والمعرض عنها كالمعرض عن موعظة الرسول، ليخوِّف كل من تسوّل له نفسه الخروجَ والإعراضَ عن موعظته بأن ذلك هو إعراضٌ عن الذكر نفسه وعن آيات الله وسنة رسوله. بيد أن إيراده لهذا الحديث ليخوِّف به المنصرفين المعرضين يدل على جهله؛ إذ أخذ بظاهر الحديث ولم يحقِّق، و إلا فمن المعلوم أن الجلوس للموعظة غير واجب سوى خطبة الجمعة، وهذا الحديث له تأويله الذي فقهَهُ أهل العلم، فقال القاضي عياض:"من أعرض عن نبيه - عليه الصلاة والسلام - وزهد منه فليس بمؤمن، وإن كان هذا مؤمناً وذهب لحاجة دنيوية أو ضرورية فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه، فلا يثبت له حسنة ولا يمحو عنه سيئة"أ. هـ
إذن الإعراض المذموم في الحديث يحتمل أن يكون خاصاً بالإعراض عن موعظته، ولذا قال ابن حجر (فتح الباري 1/ 189) :"يُحتمل أن يكون ـ أي المعرض ـ منافقاً"وإنما أورد هذا الاحتمال؛ لأن الله قد جازى هذا المعرِض بإعراضه - سبحانه - عنه.