ومن حق العادات الحسنة أن تشكر، وأن يقابلها الدعاة بمشاعر التأييد؛ حتى يشتد عودها؛ وتصبح من بعد تقليدًا متبعًا، وقاعدة ينطلق منها الدعاة إلى الله في تكثير الخير وتكميله؛ إذ البداية من الأمور المتفق عليها والعادات المستقرة عند الناس أولى من الدخول معهم في صراع حول مسائل لم تبلغها عقولهم؛ ولم يسلموا بها، وقد أخبرنا الله في كتابه أن من أسباب رد الحق احتجاب العقل عن إدراكه؛ فقال: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} ؛ فلتكن من بداياتنا في الدعوة توظيف الأعراف المأذون بها فضلاً عن الأعراف التي هي من صميم ديننا .. أقول هذا وأنا أدرك أن كثيرًا من أعرافنا الحسنة في المجتمعات الإسلامية ربما اختلطت بها بدع ومخالفات شوهت صورتها، ونفرت الطيبين عنها، ولكن العاقل من لا يفوّت أصل المصلحة تشوفًا لكمالها، ولا يُبطل العرف الحسن لاختلاطه بمنكر قبيح.
وعلى الدعاة أن يدركوا أيضًا أن دورهم لن ينتهي بإصدار الأحكام على أعراف الناس أو نقدها؛ فالنقد مهما كان صوابًا فلن يجد آذانًا صاغية؛ حتى نقدم للناس البديل الصالح الذي يتشبثون به؛ {قال أوَ لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} ؛ إن لوطًا - عليه السلام - أنكر ما عليه قومه من فاحشة الشذوذ وما وقف عند هذا الحد!، ولكنه ندبهم إلى الزواج (البديل الطاهر) ؛ وقال لهم: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} ؛ فوظيفة الأنبياء ليست إنكار المنكر فحسب، ولكنها مع ذلك إرشاد ودلالة إلى المعروف وطريق الخير والرشاد؛ {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} .