ومن الخطأ البين أن يخلط الدعاة في هذا الباب بين الشريعة والعادة، وبين السنن الملزمة وغير الملزمة!؛ فقد رأيت في إنجلترا مجموعات من إخواننا المسلمين الجدد يصرون على اللباس العربي، ويمشون به في الشوارع والأسواق والأماكن العامة؛ ظنًا منهم أن هذا اللباس له صلة بالدين! .. ولا زلت أذكر أن شابًا إنجليزيًا (قح) رآني مرة أخطب الجمعة والعمامة على رأسي فألح علي أن أهدي إليه عمامة، ولكني لم أفعل؛ واعتذرت له؛ لأني لم أرَ في ذلك مصلحة تعود عليه، بل خشيت إن لبسها أن ينكره قومه؛ ويظنوا بعقله شرًا! وكم وددت لو أن الدعاة في مثل تلك البيئات علّموا الناس حقائق الإسلام الكبرى، وشرحوا لهم معالمه الأساسية، وبينوا لهم بجلاء أن الإنسان يمكن أن يكون مسلمًا كامل الإسلام وهو يرتدي البدلة، ويأكل بالسكين والشوكة!.
والتعامل مع عادات الناس وطبائع الشعوب من الفقه الذي نحتاج أن نحسنه، وفي ظني أن الدعوة ستكسب خيرًا كثيرًا إذا وفق الله الدعاة أن يستثمروا الجوانب الحسنة في عادات الشعوب؛ ويجعلوا منها طريقًا موصلاً إلى الله .. وهذا هو عين ما فعله الإسلام يوم أبقى على عادات العرب وأخلاقهم التي لا تعارض الدين، ونقاها من الشوائب والمكدرات؛ فالكرم الذي عرفوا به، وتمادحوا به في أشعارهم حض عليه الإسلام، ولكن لم يعد الباعث عليه مخافة الذم كما هو الحال عندهم، ولكن كما قال القرآن: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءًا ولا شكورًا} .. والشجاعة في القتال من مفاخر العرب، وجاء الإسلام؛ ومدح هذه الشجاعة، غير أنه حدد لها إطارًا؛ فلا يجوز للرجل أن يقاتل شجاعة أو حمية، وإنما من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله.