فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 4219

هذه هي سطوة الأعراف على المجتمعات، وقد كان الإسلام مدركًا لأثر هذه الأعراف على عقول الناس؛ لذلك ما اعتمد في تغييرها على العنف والشدة، بل أمر بالرفق والحكمة؛ {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ، ومن حكم نزول القرآن منجمًا التدرج في تربية المجتمع، وانتزاع مواريث الجاهلية شيئًا فشيئًا .. وكان الإسلام منصفًا أيضًا في نظره لأعراف المجتمعات؛ فلم يأمر بمصادمتها جملة؛ واقتلاع كل ما توارثه الناس، ولكنه وضع القسطاس المستقيم الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال؛ فما وافق الحق قُبل، وما خاصمة رد؛ لذلك لخص لنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حقيقة دعوته؛ فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ؛ فما من عرف حسن، أو خلق كريم استقر في أمة من الأمم إلاَّ وجاء الدين مرحبًا به، وداعما له، وشاهد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن حلف الفضول الذي تداعت له قبائل العرب نصرة للمظلوم: (لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت) .

ولا شك أن هذه المرونة في التعامل مع كسب الشعوب كانت من أعظم عوامل تقدم الدين؛ إذ لم تشعر هذه الشعوب بأن الإسلام يكلفها أن تنخلع عن كل عاداتها ومواريثها، كما لم يطالبها بأن تتخلى عن انتمائها لأوطانها، وانتسابها لأصولها، وما رأت الإسلام يومًا يحجر عليها أن تتسمى بأسمائها، أو تتزي بأزيائها ..

إن هذه الدائرة في شريعة الإسلام متروكة لسنن الناس وعاداتهم؛ ويكفي أن تأتي الشريعة فيها بقواعد كلية، أو تنهى عن أمور محصورة لو عدّها العادّ لأحصاها .. كأن يقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلْ ما شئت، وألبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة) .

وها نحن نرى شعوبًا دخلت في الإسلام منذ قرون ومع ذلك لا تزال تحافظ على أسمائها، وعلى كثير من عاداتها في طعامها وشرابها ولباسها دون أن يخدش ذلك في انتمائها لدينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت