فإن التواصي بالحقّ يلزم منه الدعوة إلى الحق، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله - تعالى -في أصوله وفروعه. إن الدعوة إلى الله صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط. أما الطرفان فجانب الإفراط، بحيث يكون الداعية شديداً في دين الله يريد من عباد الله - تعالى -أن يطبقوا الدين بحذافيره، ولا يتسامح عن شيء الدين يسمح به، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيراً حتى في الأمور المستحبة تأثر تأثراً عظيماً، وذهب يدعو هؤلاء القوم المقصرين دعاء الغليظ الجافي، وكأنهم تركوا شيئاً من الواجبات، ومن الأمثلة على ذلك: المثال الأول: رجل رأى جماعة من الناس لا يجلسون عند القيام إلى الركعة الثانية، أو عند القيام إلى الركعة الرابعة، وهي التي تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة، هو يرى أنها سنة، ومع ذلك إذا رأى من لا يفعلها اشتدّ عليه، وقال: لماذا لا تفعلها؟ ويتكلم معه تكلم من يظهر من كلامه أنه يقول بوجوبها، مع أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن هذه الجلسة ليست بواجبة، وأن خلاف العلماء فيها دائر بين ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها مستحبة على الإطلاق. القول الثاني: ليست مستحبة على الإطلاق. القول الثالث: أنها مستحبة لمن كان يحتاج إليها، حتى لا يشقّ على نفسه كالكبير، والمريض، ومن في ركبه وجعٌ، وما أشبه ذلك. فيأتي بعض الناس، ويشدد فيها، ويجعلها كأنها من الواجبات. ومثال آخر: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عن عمله في السّرّ، فأخبروا بذلك، فتقالّوا عمل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكن نحن بحاجة إلى عمل أكثر ليغفر الله لنا ذنوبنا، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر. وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام.