إننا في مرحلة تقتضي أن يُفكر الإنسان كيف يستطيع أن ينتج، بل كيف ينتج بأكثر من طاقته! ولن يكون ذلك ممكنًا إلا إذا وجدت الهمة العالية والعزيمة الصادقة التي تتطلع إلى أفق عال وقمة سامقة من العطاء والإبداع، ولا ترضى بالقليل من العمل.
فكنْ رجلًا رِجْلُه في الثرى وهامةُ همَّتِه في الثريا
قال الإمام ابن القيم:"النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار".
وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل".
فلا يقتل الطموحات إلا استصغار الإنسان نفسه، يُكبلها بالعجز، حتى يصل إلى حد الشلل الذي يعوقه عن الحركة والإنتاج، وإن طاقة الإنسان تتآكل غالبًا حينما يزدري الإنسان نفسه، ويشعر أنه ضعيف لا يستطيع أن ينجز عملًا أو يبدع أمرًا. وفي كثير من الأحيان لا يكتشف الإنسان طاقاته ومواهبه إلا من خلال التجارب.
وإنتاج المرء غالبًا يعتمد على مقدار طموحه وحمته، فالإنسان الطموح هو الذي يجعل أمامه هدفًا عاليًا، حتى لو كانت قدراته لا تؤهله لذلك الآن؛ لأنه سوف يحرص على تنمية قدراته للوصول إلى هدفه، فإذا نمت القدرات فإنه لن يبقى عند هدفه الأول، بل سوف تنمو طموحاته وتزداد، وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية:"العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يُحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب".
ومَن يتهيَّب صعودَ الجبالِ يعش أبد الدهر بين الحُفَر
وقال حوط بن رئاب الأسدي: