وهكذا استقامت النفوس تبذل قصارى جهدها في أمر الدنيا ترجوا به ما عند الله فكان حالهم كما وصف ربهم"تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا"فهذا وصف للظاهر"ركعاً سجداً"ووصف للباطن"يبتغون فضلاً من الله ورضوانا"، والسياق يوحي بأن هذه هي هيئتهم الملازمة لهم التي يراهم الرائي عليها حيثما يراهم، كما يقول صاحب الظلال ـ رحمه الله ــ.
هذا حال من ابتدؤوا، وإنا نجد في كتاب ربنا أننا ملزمون بالسير على دربهم واقتفاء آثارهم،"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا""فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا". وما لنا أن لا نقتفي آثارهم ونسير على دربهم وهم أنجح جيل في التاريخ ولم يأت مثله في حياة الناس؟
وهكذا استقامت النفوس تبذل قصارى جهدها في أمر الدنيا ترجوا به ما عند الله فكان حالهم كما وصف ربهم"تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا"
أقول: ومن يتدبر آيات الأحكام في كتاب الله يجد أن هناك إصرار من النص القرآني على وضع صورة الآخرة عند كل أمر ونهي ضمن السياق بواحدة من دلالات اللفظ، المباشرة منها أو غير المباشر (دلالة الإشارة أو التضمن أو الاقتضاء أو مفهوم المخالفة .. الخ) ، فمثلا يقول الله -تعالى:"ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ..."
فتدبر كيف يأتي الأمر بعدم تطفيف الكيل حين الشراء وبخسه حين البيع؟
ولا أريد أن أعكر صفو النص بكلماتي.
ومثله"فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"
فهنا أمر بالسعي على الرزق، وتذكير بأن هناك نشور ووقوف بين يدي الله عز وجل فيسأل المرء عن كسبه من أين وإلى أين؟