يدخل السوق ويبدأ في البيع والاتجار الرابح، لا يخاف البوار في سلعته، ولا الكساد في بيعته، داخلا ميدان الجد والعمل والسعي لإتمام في بيع مع الله؛ {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29] . وليس هو الترتيل فقط، وإنما هو الرجل العملي الذي لا يلهيه أهل سوق الدنيا، ضاربا المثل العالي في الالتزام ببيعته مع الله؛ {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37] . هذا في تجارة عابرة في السوق الدنيوي.
أما لو عرض عليه المبادلات الكبيرة، والعقود الضخمة، فله في سيدنا صهيب القدوة الحسنة؛ فحين ساومه أهل مكة على أن يمسكوا ماله لو هاجر بدينه، فإن بقي أعطوه ماله، اختار البيع الرفيع العالي، وقدم على النبي - عليه الصلاة والسلام -، فحين كان الرسول جالسًا وحوله بعض أصحابه؛ حين أهلَّ عليهم"صهيب"، ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللاً: (ربح البيع أبا يحيى .. !! ربح البيع أبا يحيى!!) وآنئذ نزلت الآية الكريمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .
وكانت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس متميزة بالحكمة ورجاحة العقل حتى إن الخليفة عمر بن الخطاب ولاها ولاية الحسبة، فكانت تراقب وتحاسب وتفصل بين التجار وأهل السوق من الرجال والنساء، فليس أمر التجارة حكرا على الرجال، بل الكل مكلف، ومن برز في عقله وحكمته وعلمه، كان قائدا في سوق الدعوة؛ فقد كانت الشفاء معلمة لأم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم.