وتبقى سلعة الله غالية، تحثه على مزيد بذل وتضحية وفداء؛ (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) . رواه الترمذي.
ثم أما بعد ...
أيها التاجر الداعي إلى الله: إن بيع النفس لله - تعالى -لتمسي وقفٌ عليه - سبحانه -، من المعاني الراقية التي تزرع في جذر قلب الداعية إذ هو في بداية الطريق، ومعرفته بأي الأسواق نشاطا وربحا تحدد له هدفه فلا يقع في تشتت وذهول، ولا يزال مرتلا متصلا بالوحي الكريم حينا بحين، فهو الحال المرتحل الذي لا يهجر الكتاب المبين، ثم يمضي في سجوده وركوعه معمرا لبيوت الله، تشهد له كلها؛ أنه وعظ وتصدق ونصح وساهم وأفاد، وهذه سجادة تشهد له بدموع سكبها عليها وتبللت بسببه، ولن تبور تجارته، لأنه يعرف دكانه ودكان دعوته، ويعي من هم أصحاب الدكاكين الفاسدة وبضاعتهم المغشوشة، فلن يبيع شيئا من نفسه ودعوته وإن ساوموه عليها .. هذه معاني أولية في سوق الدعوة.
غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، ولا يزال من باع نفسه واشترى الجنة أمام مزاحمات كبيرة في البيع والشراء، يقودها له الإمام العز بن عبد السلام، سلطان العلماء، وجهبذ القضاة، الذي فقه ووعى وعلّم شعبا وأمة كاملة، و فكّها من محتكري السوق الغشاشين؛ قال الإمام السبكي:
"ذكر أن جماعة من أمراء المماليك - في عهد السلطان أيوب- لم يثبت عنده أنهم أحرار، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلّغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم فيه، واحتدم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستشاط غضباً، فاجتمعوا وأرسلوا إليه فقال: نعقد لكم مجلساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي."