فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 4219

ويصح أن يقال: إن هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن المدعوين على ثلاثة أحوال:

منيب متذكر:، وهذا شديد الحاجة إلى معرفة الأوامر والنواهي.

ومعرض غافل:، وهذا شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب.

ومعارض متكبر: وهذا شديد الحاجة إلى المجادلة.

فجاءت هذه الآية الكريمة في حق هؤلاء الثلاثة، ولم يقيد الحكمة بوصف الحسنة؛ إذ كلها حسنة بخلاف الموعظة، إذ ليس كل موعظة حسنة، وكذلك الجدال .. وهذا قد يرجع على حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه، فهو مأمور بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن.

والحاصل أن طرق الدعوة إلى الله تعالى تتفاوت بتفاوت أحوال الناس، فإن لكل مقام مقالًا، ولكل نفس إعراضًا وإقبالًا، فقد يكون الدرس أنفع للقوم لاشتماله على الأخذ والرد والوقوف على ما عساه أن يكون غامضًا على السائل، فلا يعدل عنه إلى الخطابة، وقد تفضل الخطبة الواحدة ألف درس في بعض المجتمعات والأوساط، فلا يعدل عنها إلى الدرس. وقد يكون اللين أفضل من الشدة، فقد تكره الموعظة لما فيها من الغلظة أو الخُرْق والحمق. قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين! إني أريد أن أعظك بعظة فيها بعض الغلظة فاحتملها. قال: كلا، إن الله أمر مَن هو خير منك بإلانة القول لمن هو شر مني، قال لنبيه موسى، إذ أرسله إلى فرعون: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه:44] ، فإن ظاهره عرض ما فيه الفوز العظيم والسعادة الدائمة بالنسبة إلى فرعون، والترجي بالنسبة لهما، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه فهو يجهد طاقته ويبذل أقصى وسعه.

بين الإيجاز والإطناب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت