فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 4219

كذلك الإيجاز لا يكون إلا للخواص وأولي الألباب الراجحة والقلوب الحاضرة. وأما الإطناب فهو مشترك بين الخاصة والعامة ويكون مع الغبي والذكي. وليجعل القرآن الحكيم في ذلك إمامًا يقتدى به ومرشدًا يهتدى بهديه، ألا ترى أنه إذا خاطب العرب أخرج الكلام مخرج الوحي والإشارة لشدة ذكائهم وقوة فطنتهم ورجاحة عقولهم، وإذا خاطب غيرهم كبني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مطولًا مبسوطًا معادًا في مواضع كثيرة لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم واحتياجهم إلى الإكثار والإطالة، فما خاطب به مشركي العرب في مقام الاستدلال على قدرة الله ووحدانيته قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:73، 74] .

بيانه أن أقل درجة المعبود القدرة على جلب ما ينفع العابد، ودرء ما يضره، والآلهة التي عبدها المشركون لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه. ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب وهو أضعف الحيوانات، ولا على استرجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يليق بعاقل أن يعبدها من دون الله، والمعبود في الضعف والعجز فهو عاجز متعلق بعاجز ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت