فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 4219

فجاء الملك، فدعا لهم بلحوم الخنازير، فوضعت بين أيديهم، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى، فألهمه الله، فقال: هب أنى أكلت لحم الجدي الذي أعلم حِلَّهُ أنا - يقول لنفسه-، فماذا أصنع بمن لا يعلم، والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي، وهم يعلمون أني إنما أكلت لحم الخنزير، فيأكلون اقتداء بي، فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة، لا أفعل والله، وإن قتلت وحرقت بالنار. وأبى أن يأكل، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه، ويومي إليه، ويأمره بأكله أي إنما هو لحم الجدي، فأبى أن يأكل، ثم أمره الملك أن يأكل، فأبى، فألحوا عليه فأبى، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله فلما ذهبوا به ليقتلوه، قال له صاحب الشرطة: ما منعك أن تأكل اللحم الذي ذكيته أنت ودفعته إلي أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه؟، قال له العالم: قد علمت أنه هو، ولكن خفت أن يتأسى الناس بي، وهم إنما ينتظرون أكلي منه ولا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير، قال: وكذلك كل من أُريد على أكله فيمن يأتي من الزمان يقول: قد أكله فلان فأكون فتنة لهم، فقتل - رحمه الله -. ونقل ابن كثير بعدها العبارة: ' اتقوا زلة العالِم فإنه إذا زل زل بزلته عالَم'.

إن بيان الحق أمر عظيم وخصوصًا في هذا الزمان الذي كثر فيه الجهل، وقل فيه العلم، وكثر فيه أهل الباطل ونعيقهم: وقد قال عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة في زمن عافية الأمة وقوتها قال: 'إني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره'. فهو يستشعر عظم المسئولية: كيف سيغير الآن في واقع انحرافات ظنها الناس حقًا، فماذا نقول نحن عن عصرنا!

من أعذار عدم الإخبار بالحكم:

إذا سئل الإنسان، وهو لا يعلم، فيجب أن يقول: لا أعلم، ولا يتكلم بما لا يعلم، فكيف يقول لنفسه: إن سكت كتمت العلم ولا يوجد عنده علم أصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت