ولقد باشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلح بين أهل الخصومة بنفسه، فلما بلغه أن بني عوف بن عمرو بينهم شر قال:"اذهبوا بنا نصلح بينهم". وخرج يصلح بينهم في أناس، وتأخر عندهم حتى كادت تفوته الصلاة بسبب ذلك. وفي الصحيح:"سَمِعَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا، وَإذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ. وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لاَ أَفْعَلُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- عَلَيْهِمَا، فَقَالَ:"أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ". وفي بعض الروايات:"فوضع عنه شطر المال"."
يقول الإمام الأوزاعي - رحمه الله: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين.
فإذا علم المسلمون فساد سوء ذات البين، وعظيم مساويها، ووخيم عواقبها على الأفراد والأمم لزمهم أن يعلموا على إصلاح نفوسهم، وقطع دابر القطيعة فيما بينهم، وألا يكون في قلب أحدهم لأخيه شحناء ولا بغضاء.
وإذا عرف المسلمون ـ والدعاة منهم خاصة ـ عظيم أجر الساعين بين الناس بالإصلاح وما لهم من عظيم الأجر وعميم الثواب عند الله تعالى دعاهم ذلك وحفزهم للسعي في هذا الباب الفضيل إذ لا يعقل أن يزعم زاعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشفق على الدين وأهله، ثم هو يعلم أن بين اثنين -من إخوانه - شحناء أو قطيعة ثم لا يسعى غاية سعيه، ويبذل غاية جهده، ليصلح بينهم رحمة بهم وشفقة عليهم، وطمعًا في فضل الله ورحمته، ورغبة في عظيم أجره ومثوبته.