فهرس الكتاب

الصفحة 1992 من 4219

إحذر مخالطةَ عُبَّادِ النفس، ومن تلبس بفسق، أو اتَّبَع هواه؛ فإن مجاورة هؤلاء جَرَب لازم، لا يبتعد ولا يسكن عن صاحبه، فقلبه حاد عن طريق مولاه، وجوارحه كَلَّت في رضى نفسه وهواه، إن تكلم تكلم بمعصية، وإن تحرك تحرك في معصية، فهذا الصنف من الناس لا حياة فيه، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره ونهيه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه، أرضى ربه أم أسخطه. فهو متعبد لغير الله - حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما، وذلا، إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، يُنَادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، ولا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تسخطه وترضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:

عَدُوٌ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لأهْلِهَا *** وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَأَقْرَبا

فمخالطة صاحب هذا القلب سِقم، ومعاشرته سُم، ومجالسته هلاك.

قال - تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) } (4)

عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً". (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت