فهرس الكتاب

الصفحة 1993 من 4219

فالحذر كل الحذر من مخالطة هؤلاء، وإياك وحجة إبليس! أن تخالطهم من أجل الدعوة، وتوصيل الحق إليهم! أو مصلحة تغلفها بصبغة شرعية، فإن هذا ليس من هدي السلف - رضي الله عنهم -، فإن الأول دعوا إلى الله - عز وجل - مع وقوفهم على جانب واحد، لا يحيدون عنه قيد أنملة، الكتاب والسنة! دون تقديم أي تنازل، وإن كان في الأمر عسر وصعوبة، إلا أنهم سَحَبُوا الناس إليهم، وأوقفوهم معهم في معسكرهم على الكتاب والسنة، بخلاف من كَثُر من دعاةِ هذا الزمان، يدخلون إلى معسكر العصاة، ويهتدون بهديهم، ويتزينون بزيهم، ويتلبسون بخصالهم وفعالهم، بحجة دعوتهم إليهم! فحتى لو نجحت هذه الدعوة فإن نقطة الالتقاءِ بعيدة، وخاصة إذا كان الداعي فقير العلم، حديث العهد بالالتزام! وذلك لسهولة رجوعه إلى ما كان عليه من قبل، بخلاف من توطَّن المعصية، فإن انتقاله عنها عسير، ومفارقته لما ألف أصعب، فيظل المنتقل إليه، الطالب دعوته، على الحالة التي هو عليها من المخالطة والألف لما هو عليه، حتى يكونا سواءً في التفريط والمعصية، إلا من رحم الله.

وربما يقول قائل لا غنى لي عن الناس، ولا غنى للناس عني، وربما يكون هذا صحيحاً إذا عرف العبد الداء و الدواء، وفرق بين المنحة من المحنة، والعطية من الرزية، والحمل من الذئب، والظباء من الثعالب.

الداء والدواء:

ومخالطة الناس قد تكون داءً، وقد تكون دواءً، ويجب على العبد أن يفرق بين الداء والدواء.

فالدواء كمخالطة الناس في الجمع والجماعات، ومجالس العلم ومالا بد منه، والمخالطة التي هي داء مما لا يعود على العبد بمنفعةٍ إلا التمتع بضياع الوقت، وقضائه بما لا يعود على العبد من نفع. والمخالطة التي هي كالدواء لا يؤخذ منها إلا بقدر محدود وعند الضرورة. فإنه إن زاد عن حده تحول إلى داء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت