فإن كثرة المخالطة بلية عظيمة، ورزية جسيمة، فإن العبد يعيش في ستر الله؛ فكم من ذنوب هي لك أخفاها، وكم من عيوب لك عن العباد قد غطاها، فإذا ما كثرت مخالطتك، وسهل الانبساط بينك وبين العباد، ظهرت هذه الذنوب وعُلمت هذه العيوب، فإن جاراك الناس، واستأنسوا بك؛ فعند الفتن والشدائد لا يظهرون إلا العيب، فإذا هم قد ستروا النعمة، وأظهروا النقمة.
فالأخذ بالاحتياط وطلب السلامة أولى، وكلما قلت المخالطة قلت عنك مواد الشِّكَاية، فلن تُسْتبطأ في حقٍ، كعيادة مريضٍ، أو شهود جنازةٍ، أو حضور عُرسٍ، أو وليمةٍ ونحوها.
فالناس إذا فقدوك عذروك، وإذا وجدوك عَذَلُوك واستقصروك؛ وقد يكون لك بعض الأعذار لا يقبلها منك هؤلاء.
فكلما ابتعدت عن المخالطةِ كنت في أمانٍ من مساويهم، وعن محاوراتهم، إلا ما يكفي فضل مؤنة ضرورية لهم أو لك.
فربما رفعوا لك قولا، أو فعلا، حال غفلةٍ، أو عدم انتباه فشنَّعوا عليك؛ أو سمعوا منك كلاما تأوَّلُوه عليك لم تدركه عقولهم.
هذا إن جاريتهم! فكيف لو كنت قوّاماً، وقّافاً بالحق! فإذا هم قد بغضوك، وهجروك، وكنت مضغة على ألسنتهم.
فكم من قلوب قد امتلأت من دخان أنفاس بني آدم حتى اسودت، وأوجب لها تشتتا وتفرقا وهمَّاً وغماً، وكم من مجالسٍ أضاعت مصلحةً وأوقعت مفسدةً، وكم جلبت الخُلطة من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من مِنْحةٍ، وأوصلت من رزية وأوقعت في بلية! وهل آفة الناس إلا الناس.
لقد أوشك أبوطالب أن ينطق بالإسلام لولا جلساء السوء.