لقد ظل أنس - رضي الله عنه - يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين كما حدّث هو بنفسه، فلم يقل له يوماً ما لشيء فعله لم فعلته؟ ولا لشيء لم يفعله هلا فعلته؟
يا لله العجب عشر سنين من التجاوز المعيشي، والتلاصق المباشر، ورغم ذلك لم يحصل العتاب أو الإنكار، ولا لمرة واحدة!
يتحدثون مخافة وملاذة *** ويُعابُ قائلهم وإن لم يشغب
أم تراه ينجفل إلى أهله مردداً بينه وبين نفسه: أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك وليسعك بيتك؟!
إن الإجابة -أيها الغيور على محارم الله- تجدها في قوله جل جلاله:"فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين".
وفي قوله - عليه الصلاة والسلام:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
إن السبيل الوحيد للحافظ على بنية الأمة وتماسكها في عقائدها وأخلاقها، وقيمها ومبادئها هو بإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق منهاج النبوة دون أن تغرنا جولة الباطل وصولته وبريقه ولمعانه!
فمتى تضافرت الجهود، وحسنت النوايا، وصدقت العزائم، انكمش الشر وانزوى، ثم تلاشى وانطفأ!
واقرأ قوله - تعالى:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون"، وقوله:"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
كم يخطئ البعض حين يلجأون إلى المقاييس الحسابية، ويعقدون المقارنات الحسية بين الباطل وكثرة سواده، وبين الحق وأهله الغرباء! فاللجأ إلى مثل هذه المقاييس خطأ فادح وغلط كبير، يشلُّ الحركة ويثبط الهمم، ويفتر الحماس ويبعثر الجهود، ويعطل مسيرة البناء.