والداعية الحريص على نجاته، الطالب للارتواء الحقيقي - وليس المتتبع للسراب - ليُجهد نفسه للحصول على هذا"القدحُ المُعلى"العالي الرفيع، الذي يرتفع به علوا! بقدر ما ارتفع هو له ومد له الأيادي، فلا تطاله أيادي أهل السفول، ولا خواطرهم، فضلاً عن تفكيرهم واهتماماتهم وأعمالهم الخفيضة.
روحُ الدين ولُباب القُرب كلها، ومهماز العمل الدقيق في القلوب، وأساس أي داعٍ لله - تعالى - .. هو هذا"القدحُ المُعلى"؛ فإن غاض، أو جف، أو تضائل، لم يبق إلا السراب؛ الذي يُخدعُ به المرء أحياناً فيظنه ماءً!. وبفقده إياه لم يعد ثمة شي يستحق الاحترام لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
بل إن جفاف هذا القدح في نفس الداعية يمسيه ممتلئاً بالأهواء والنزوات، ويصبح المرء مرتوياً من ضروب كثيرة من العوج النفسي، والالتواء الخلقي، والتعرج العملي، إذ"القدحُ المُعلى"هو جادة الصراط المستقيم، في النفس والخلق وفي العمل على السواء، فإن جف باتت هذه الثلاث مصدراً للنفرة والاشمئزاز.
وقد تُغص ميادين الدعوة ويتقلب فيها أقوامٌ يجعلون ربهم - سبحانه وتعالى - آخر ما يُرعى ويُرغب؛ لأن الأمر عندهم لا يعدو أن يكون حرفة تُدِرِّ رِبْحاً، وتُبرِز اسماً، وتُعلي رسماً!
صحيحٌ قد يتحقق للمرء ربحاً واسماً ورسماً وإن خفت روحه من"القدحُ المُعلى"لكنه الاخضرار الآني السريع - مهما طال في نظره - ثم لا يلبث إلا أن يجف وتذروه الرياح، فهذا حمدون بن أحمد يعطينا فقه الاخضرار والاصفرار الذي نقول، فقد قيل له - رحمه الله:"ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟"
قال: لأنهم تكلموا لعزِّ الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن. ونحن نتكلم لعزِّ النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق" (2) "