أرشدنا - رحمه الله تعالى - بأنه عندما يجف قدحنا العالي في نفوسنا وقلبونا، ترتكس المعاني، ويمسي"العزِّ"للنفس لا لدين الله، دين الله على عظمته يُبدل بنفس! وينقلب معنى الخوف من أهوال الآخرة وشدائدها إلى طلبٍ وضيعٍ للدنيا، ويخدر طلب رضا ذي الجلال والكمال ليحل مكانه رضا الخلق الناقصين!. شتان بين خُضرة نضرة تُروى بها رياض القلوب والأبصار، وبين صفرةٍ خادرةٍ جافةٍ هشةٍ ما تلبث أن تطير إلى سفول.
أشواك .. تُدمي وتُهلك!
إن المرائي سُبَّة في جبين الدين، وآفة جائحة في الدعوة، ومرض في الجماعة، لا يقطع هدفاً، ولا يحقق مبتغى، يستفيد منه غيره وهو الهالك، وينجو به الناس وهو الخاسر، ويدخل به أقواماً للجنان، ويناله من رياءه قعر عميق. بل من الأوائل!
إن أول من تسّعر بهم النار؛ عالم ومجاهد وكريم: يؤتى بعالم فيقول الله: أما علمتك العلم؟ قال: بلى يا رب! فيقول: ماذا فعلت، والله أعلم؟ قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ويفعل بالمجاهد المرائي والكريم المرائي كذلك .. (3)
يا لها من جفلة للقلب حين يرى هذه الصورة المروعة لكل الكيان، تجعل العيون تذهل من مدامعها، والفؤاد يرجع هلعاً من مناظرها، حتى أن معاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليه لما سمع الحديث بكى حتى مرّغ وجهه في التراب، وقال صدق الله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] .. كل أولئك من جفاف وانعدام هذا الترياق المبارك ..