هذه أشواك الآخرة، ومن أشواك الدنيا؛ ما يرشدنا إليه الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، أنه ذكر فتناً تكون في آخر الزمان، فقال له عمر: متى ذلك يا عليّ؟ فقال:"إذا تُفقِّه لغير الله، وتُعُلِّم العلم لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة" (4)
فهي الفتن في الدنيا أشواك أخرى تسبق أهوال القيامة، ولنا أن نتأمل اليوم أنواع الفتن وضروبها وتشعبها، ابتداء من الفتنة في النفس والذات، ووصولاً إلى الفتنة في آفاق الأمة الكبيرة، و يا لها من أشواك هذه الفتن؛ فقد أدمت النفوس، وأنّ لها كتف الدعوة، وأهريق منها رحم هذه الأمة المباركة، ومن أبرز أسباب هذه الفتن وتلك، هو جفاف هذا"القدحُ المُعلى".
أزهار .. دعوية
ولا تتوقف عينُ الداعية إلى الله على مناظر تلك الأشواك المرعبة؛ التي أدمت فكره وخاطره وغاصت في بنان نفسه، بل في الكون جمال وأزهار، وفي الدعوة حقول زاهيةٌ، وسهول وافرةٌ، تدفعه للتأمل والجلوس مع الذات، ومراجعة نفسه وما تحوزه من هذه الورود اليانعة.
عن أبي سعيد الخدري رضوان الله عليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حجة الوداع: (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه، ثلاثٌ لا يُغَلُّ(5) عليهن قلبُ امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمُناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يُحيط من ورائهم) (6)
فالإخلاص مورد من موارد أداء الأمانة على وجهها الأتم، وينبوع من ينابيع سلامة الصدر من الحقد والشحناء، وأي قلب تشرب هذه المعاني بالإخلاص فأنّا أن تصيبه الفتن - بحول الله - وهل غالب الفتن إلا من خيانة الأمانة، أو من حقد وتباغض بين أهل الإسلام، وأهل الدعوة، وأمة الاستجابة.
وزهرة النصر والحفظ للأمة تأتي من هذا القدح قال - عليه الصلاة والسلام: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم) (7)
وزهرة زيادة الخير ورفعة الدرجات