حتى الزوجة لا تعلم! فم ذا الذي يعلم!! هو الله - سبحانه - وعبده الكسير العاجز، الذي بهذا الفقه"فقه الخبيئة"يزداد جبراً لنفسه، وقوة بقوة الله وحوله وطوله، ففي بعض الأحيان ونتيجة للعمل الدعوي الجماعي، تمسي كل أوراق الداعية من الأعمال الصالحة مكشوفة لمربيه وقائده، وهذا حسَنٌ جميل، والأجمل هو إضافة حُسُن الخبيئة هذا. وتأمل في خبر زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليه:
قال عمر بن ثابت: لمّا مات علي بن الحسين فغسلوه؛ جعلوا ينظرون إلى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جِرَبَ الدقيق ليلاً على ظهره، يعطيه فقراء أهل المدينة.
وعن ابن عائشة قال: قال أبي: سمعتُ أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات علي بن الحسين.
وعن شيبة بن النعمان: كان علي بن الحسين يُبَخّلُ - يُوصف بالبخل من بعضهم -، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة. (13)
فتأمل أيها الداعية يا حفيد النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمل هذا النسل النبوي، وانسج على منواله، فقد ابدع في صدقة حتى أسود ظهره من الدقيق المحمول عليه!!، فأي أثر ترك على جسدك من خبيئة تفعلها؟، بل أي أثر ترك في قلبك من عمل سر لا يعلمه إلا الله!، فتش ودع هذه الآثار النبوية تحفزك لهذا الفقه"فقه الخبيئة"، ولا تكن مقلداً فتحصر نفسك في صدقة ودقيق، بل ابدع، ففي ضروب الخير كثرة، وكلٌ ميسر لما خلق له.
حمانا الله من الاغترار ومن توابعه وجذوره؛ وقف مطرف بن عبد الله بعرفة وقال:"اللهم لا تردهم من أجلي" (14) .
فكن أخي أماناً لنفسك، وأجمع باقتك، وجهز خبيئتك، ولا تجعل الله يرد عباده من أجلك، ثم لا تزال حبيباً لله.
(1) يراجع مقال"أنت حبيب الله".
(2) صفوة الصفوة 4/ 122.
(3) إشارة للحديث الصحيح عن الألباني في صحيح الترغيب 1/ 13 - 15 وصحيح الجامع كما في ملحق فتح المجيد ص 572 - 573.
(4) أخرجه عبد الرزاق.