وقد وصف الله - تعالى -أولئك الملأ بالاستكبار، حتى أصبح ذلك وصفاً لازماً لهم، وها هي الآيات القرآنية الكريمة تحدِّثنا عن موقف أولئك الملأ من أنبيائهم، عليهم الصلاة والسلام، واستكبارهم عن اتباع الهدى: أ - فالأشراف والسادة المستكبرون من قوم نوحٍ - عليه السلام -، يكذِّبون نوحاً؟ لأن أتباعه من البشر، بل هم من فقراء البشر وأراذل القوم - بزعمهم - من أصحاب المهن البسيطة، كالباعة والحاكة، وغيرهم، ولذلك فالسادة المستكبرون يأنفون أن يكونوا معهم في دعوة واحدة، وفي صف واحد يجمعهم: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(25) أَن لاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ومَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ ومَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [هود: 26 - 27] ، (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ) [الشعراء: 111] .
وكأنهم طلبوا من نوح - عليه السلام - أن يطرد المؤمنين عنه؛ احتشاماً ونفاسة منهم وأنفة أن يجلسوا معهم -تماماً كما طلب سفهاء قريش من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطرد عنه جماعة من الضعفاء، ويجلس معهم مجلساً خاصاً - ولكن نوحاً - عليه السلام - أجابهم بما حكاه الله - تعالى -عنه، فقال: (ومَا أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا إنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ(29) ويَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إن طَرَدتُّهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [هود: 29 - 30] .
(ومَا أَنَا بِطَارِدِ المُؤْمِنِينَ(114) إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الشعراء: 114 - 115] .