ويقول صاحب المنار: مضت سنة الله - تعالى -أن يسبق الفقراء المستضعفون من الناس إلى إجابة دعوة الرسل واتباعهم وإلى كل دعوة إصلاح، لأنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تبعاً لغيرهم، وأن يكفر بهم أكابر القوم المتكبرون، والأغنياء المترفون، لأنه يشق عليهم أن يكونوا مرؤوسين، وأن يخضعوا للأوامر والنواهى التي تحرم عليهم الإسراف الضار، وتوقف شهواتهم عند حدود الحق والاعتدال [13] .
ومن الواقع التاريخي: وإذا كانت هذه قاعدة عامة في الدعوات السماوية، كما حكاها الله - تعالى -في القرآن الكريم، فإننا نجد لها أمثلة أخرى في تاريخ البشر وواقعهم: فقد كان في مقدمة الذين سارعوا في الدولة الرومانية إلى اعتناق المسيحية، هم الأرقاء، لأنها وعدتهم بملكوت السماء، وأعلنت أنه ليس مقصوراً على السادة، بل إنها أخبرتهم أن دخول الأغنياء الجنة هو أصعب من أن يلج الجمل في سم الخياط، والمفروض أنه الغني الباغي الظالم المستكبر ..
وفي التاريخ الجاهلي الحديث، كان من أكبر المؤيدين للثورة الفرنسية: الفلاحون؛ كي تخلصهم من القيود الاقتصادية والاجتماعية التي فرضها عليهم المُلاَّك الإقطاعيون، وأرباب الحرف والصنائع؛ لتحررهم من سيطرة نقابات الطوائف، والعامة كي يكون لهم نصيب من الحكم الذي كان مقصوراً على الملوك والنبلاء والفئات العليا ورجال الكنيسة [14] ، ولعل هذا يفسر شعار تلك الثورة المعروف، وهو: (الحرية والإخاء والمساواة) الذي أطلقوه ليخدعوا به الناس وليكسبوا الجماهير إلى صفهم.
جاهلية قديمة جديدة ..
ورغم الدعوات التي يطلقها كثير من الناس في الشرق والغرب، يزعمون فيها أنهم دعاة تحرر الإنسان وأنهم جاؤوا لينقذوا الضعفاء والمهضومة حقوقهم، وأنهم أنصار حقوق الإنسان، وأنهم سند لحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن أجل ذلك أنشئت المنظمات الدولية وما تفرع عنها من مجالس ومنظمات ..