فالمثالية تأتي بالتزام العبد منهج الله في شؤون حياته، وبقدر هذا الالتزام يكون قربه أو بعده من المثالية؛ إذ إن منهج الله كما قدمنا هو الكمال.
وهذه المثالية لا يمكن أن تكون واقعا إلا بالنظر إلى طبيعة النفس ومكوناتها، ومن ثم راعى الإسلام الموازنة بين النفس والروح، والاعتدال بين احتياجات كل واجدة منهما.
فالعبادات غذاء الروح وحياتها؛ إذ هي حظها من خالقها ومعبودها، ولكن لا ينبغي أن يهلك العبد بالعبادات نفسه، ويعذب بها جسده، ويحمله مالا يطيق (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) )، وفي الحديث: % [لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني] %% (متفق عليه) .
وقال لمن ربطت حبلا بين ساريتين تتعلق عليه إذا فترت: % [ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد] %%.
وقال لعثمان بن مظعون: % [يا عثمان أرغبت عن سنتي قال لا والله يا رسول الله ولكن سنتك أطلب قال فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم] %%. (أخرجه أبو داود) .
وإذا كان الناس متفاوتين في استعدادهم للوصول إلى الكمال، فقد راعى ذلك الإسلام أيضا فجعل حدًّا أدنى يتحمله كل أحد، وهو فعل الفرائض والواجبات وترك المعاصي والمحرمات، وحدًّا أعلى يتنافس فيه المتنافسون، بفتح أبواب النوافل والمستحبات، وهو مجال يصل فيه كل عبد حسب ما تبلغ به همته.
كما تظهر واقعية الإسلام في إيجاد المخارج لما قد يحدث من ضرورات، كالتيسير وقت الشدة وإباحة المحظور للضرورة وإيجاد الرخص كل ذلك حتى يمكن لهذه الشريعة ـوقد كان ـ أن تصلح لكل زمان ومكان، وليحق قول الله تعالى: (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) )، (( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ).