وبيان ذلك أن الله - عز وجل - قصر ذلك الوصف عليه - تعالى -، ولم يأذن لأحد من خلقه في اكتسابه، وهو - عز وجل - وحده يليق به ذلك لجلال قدره، وعظمة ملكه وسلطانه؛ فهو الملك الحق العدل، لا ينافي شيء من ذلك عدله ورحمته، بل إن وصف القهر والجبر والكبرياء في ذاته مصدر رحمة لعباده المؤمنين، وهذا من لطائف المسألة؛ حيث إن المؤمن حينما ينتسب إلى الله عبداً، فإنه يكتسب من نسبة العبودية عزة ومنعة؛ إذ هو محمي من الظلمة والفجار؛ باسم الله الجبار القهار. وأنت حينما ترى في الأرض عبداً جاهلاً متكبراً؛ تدرك بسرعة أنه ينتحل ما ليس له، كيف يصدق تجبره وكبرياؤه، وقد قال الله فيه: {وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ؟ فكبرياؤه تلك إنما هي صورة من ورق! إنها مرض نفسي، فهي تعبير عن الشعور بالنقص إزاء كمال حاوله فلم يصله: من الناحية الاجتماعية، أو المالية، أو السلطانية، أو أي جهة أخرى. فقد يكون الإنسان غنياً ذا ثروة طائلة، فإذا تكبر دل ذلك على نقص من جهة أخرى، ربما ظن أن ماله يغنيه من كل وجه، فلما أدرك أنه لا يسد له حقيقة الكمال استكبر فطغى وتجبر وظلم! إنك أيها العبد المنتسب ـ بخضوعك وعبوديتك ـ إلى كبرياء الله الحق تشعر أن الكبرياء مما ينتحله الخلق كذب وافتراء، بل مرض يستحق صاحبه الحسرة والإشفاق! تماماً كما تشفق على من ألقى بيده إلى التهلكة بالكفر والضلال، على غرار قوله - تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} فالجاهل قد يرى الجبار من الناس أسداً يزأر في وجوه الخلق، وعبد الله إنما يراه أسداً من ورق، أو دمية (كرتونية) تحكي لعبة الأسد. والمتكبر من الخلق هو أول من يشعر ـ في نفسه ـ بضعفه، وعجزه، وفشله في أن يندمج في المجتمع، ويتواضع أمام الخلق. وما أصدق قول الشاعر في هذا:
ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ