لقد ابتدأ الخطاب في الآية بهذا الأمر الجازم: (اعلموا .. !) والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع قطعاً ويقيناً، أي بلا تردد ولا شك، ولا ظن. (اعلموا .. ) هكذا قطعاً. وجاء المثال القرآني العجيب مرة أخرى بصيغة أخرى: مثال الزرع؛ إذ ينبهر الفلاح بخضرته وجماله وسنبله، فلا يلبث أن يصير حقله الجميل حطاماً، أو حصيداً كأن لم يغن بالأمس! فكذلك الدنيا كلها بزينتها وأموالها وأولادها .. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
وهنا جاء المقابل الأخروي هذه المرة في القرآن الكريم بصيغة فريدة .. لا مثيل لها، جاء طلب المسابقة إلى المغفرة والجنة، ووصف الجنة بما قال - عز وجل: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} فوصفها بالعرض دون الطول. ذلك هو الزمان الأخروي السعيد، والعمر الجميل المديد. تلك هي الحياة .. (خالدين فيها أبداً) . إن (الطول) ـ كما ذكرنا ـ مفهوم محدود معدود. والجنة لا حد لها، ولا عد. إنها (الحيوان) . فلا يليق بوصفها من ألفاظ الامتدادات إلا (العرض) ؛ إذ بالعرض تعيش اللحظة الواحدة أكثر من مرة. أما الطول فلا يتيح لك من اللحظة الواحدة إلا خطوة واحدة، تخطوها إلى أمام؛ لتصبح بعد ذلك من (الماضي) ، فلا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، كما قال الحكماء. وأما العرض فهو امتداد أفقي في الزمان الفسيح؛ إذ تتمتع بالمتعة الواحدة أبداً، وتعيش الشعور الواحد أبداً، وتغرف من اللحظة الواحدة معنى الخلود. صورته في الدنيا هي (بركة العمر) ؛ حيث يبارك الله العمر القصير ـ ولا يكون العمر إلا قصيراً ـ ويزكيه؛ فينجز المؤمن فيه من الصالحات ما يمكنه بإذن الله من الخلود في الجنة. وصورته في الآخرة: حياة سعيدة مطلقة في الزمان، سابحة في الجمال، تنعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.