فاجعل التبشير بالخير في الدنيا والآخرة جوهر خطابك للناس، واجعل النذارة له مصدقة؛ حتى لا تتواكل الأنفس، وتتراخى عن أداء حق الله. واقصد إلى تعريف الخلق بالله؛ فإنهم إن عرفوه حقاً أحبوه؛ فتعلقوا بعبادته آنئذ خوفاً وطمعاً. ففي الصحيحين: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن؛ قال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (3) ، وفي مسلم: أن أبا موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمُعَاذاً إلى الْيَمَنِ. فَقَالَ «ادْعُوَا النّاسَ، وَبَشّرَا وَلاَ تُنَفّرَا، وَيَسّرَا وَلاَ تُعَسّرَا» (4) .
ومن ألطف النصوص في هذا المعنى ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: «إن رحمتي سبقت غضبي» (5) . فهذا رب العالمين يعلمنا أن نجعل خطاب الرحمة سابقاً في دعوتنا، ونجعل لذلك النذارة خادمة للبشارة؛ لأن الكل مشمول بقصد المحبة. وما أجمل وصف الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، في ذلك، وهو سيد الدعاة إليه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] . فأشد الناس خوفاً من الله هو أشدهم محبة له. بهذا المنطق وجب أن تبني خطابك أيها الداعية؛ فما تفرد النذير في موطن من الكتاب والسنة إلا لحكمة خاصة.