ـ القاعدة الثامنة: دفع الشر بالخير. وهي تفسير للقاعدة السابقة، وبيان لها، وتحقيق خاص لمناطها العام: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} . فالعلاقة بين القاعدتين هي العلاقة بين المبدأ الكلي والتطبيق الجزئي؛ كما هي العلاقة بين المطلق والمقيد؛ وذلك مثلاً حيث يواجهك الخصوم في الدعوة إلى الله من أهلك وعشيرتك، أو حكومتك، أو يحاصرونك؛ فاقتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تلتفت إلى غيره، إياك أن تغلبك الرغبة الجامحة في الانتقام؛ لا يستفزنك تحرشهم، ولا يثيرنك جهلهم وعنتهم، وخاصة أن مناط الأحكام في الدعوة في هذا الزمان غالب أمره أنه يتنزل في بلاد المسلمين، ويخاطب من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكيف تنزع إلى العنف الجاهلي؟ ـ حاشا الجهاد في سبيل الله ـ إنك إن تفقد منهج القرآن، وتخطئ سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله؛ تفقد صفة الداعي إلى الخير؛ والله أمرك أن تدعو إلى الخير، كما بينت لنا الآية قبل: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] ، وتفقد صفة الداعي إلى الله، فلا تكون داعية إلا إلى نفسك. حذارِ من التشنج، حذارِ من الغضب لنفسك. ما دمت قد جعلت نفسك لله فاجعل الكل لله، ولا تتحرك في الدعوة إليه - تعالى - إلا بما تقدر أنه لله. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تلك مقدمة مسلَّمة في منهج الله، نتيجتها واضحة حاسمة، هي: {فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} . تلك هي الحكمة المذكورة بوضوح في قوله - تعالى: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [النحل: 125] .