ومع تلك الشجاعة الفائقة، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - رؤوفاً رحيماً. وهاهو يقول لأصحابه: من فجع هذه بوليدها؟ فعن عبد الله، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمرة (طائر يشبه العصفور) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تُعرش، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. أبو داود.
وعن سهيل بن الحنظلية قال: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعير قد لصق ظهره ببطنه، فقال:"اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة"."المعجمة: التي لا تنطق". رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فيالها من رحمةٍ ما أعظمها، رحمة بالناس وبالطيور وبالبهائم، بالمسلم وبالكافر، وحرص على هداية الناس واستنقاذهم من النار.
قال الشيخ ابن باز - رحمه الله: (فالمقصود والهدف ـ من الدعوة ـ إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجو من النار وينجو من غضب الله) . قال - تعالى: {اِتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَّهُم مُّهْتَدُون} . هذا هو المحك والمعيار أن يكون هدف الداعية الحرص على نجاة الناس من النار لا استعجال هلاكهم في الدنيا قبل الآخرة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور لا الانتصار عليهم وهزيمتهم فمن أخذ به واستوعبه بارك الله في دعوته ووفقه، ويكون بذلك قد نقى ساحة دعوته من الشوائب والأمراض التي تمحق بركة الدعوات. فإخراج الناس من الظلمات إلى النور هو الهدف الأول، ثم يأتي التمكين بعد ذلك، أما إذا اختلف الترتيب المنطقي للدعوة، كتجميع الناس حول فكرة ثم يأتي الإنقاذ من النار بعد ذلك؛ فهذا هو الاختزال المذموم. [1]