وحسب الحديث ههنا أن يدور حول المشاعر، وحاجة الإنسان إليها؛ فالذي يُلاحظ في حياتنا اليومية أننا نعاني من فقر المشاعر الإنسانية الصادقة المعتدلة؛ فتجد من الناس من هو جافٍ لا تكاد تحظى منه بكلمة شكر، أو ابتسامة محبّ، أو دعوة مخلص.
ومنهم من هو متملّق محتال يزجي المديح بلا كيل لمن يستحقّ ولمن لا يستحقّ؛ إما رغبة أو رهبة أو لأجلهما معاً؛ فإذا انقضت مصلحته قَلَبَ ظهَر المِجَنِّ، وعرَّى أفراس الصّبا ورواحله.
أما من يقابل الناس بالبشر، ويصافحهم براحة كريمة، ويثني عليهم إذا هم أجادوا، ويردّهم إلى الصواب برفق إذا هم أخطؤوا، ويُسدي إليهم المعروف إذا هم احتاجوا دون أن يكون خائفاً منهم أو راجياً لهم ـ فذلك قليل في الناس، غريب بينهم.
ومن كان كذلك أحدقت إليه الضمائر الحرة، وأولته وداً وانعطافاً؛ وأساغت عشرتَه، وأصاخت السمعَ لما يقوله.
ولكن هذا الصنف ـ مع الأسف ـ قليل؛ لأن المصالح الخاصة قد طغت، فصارت المعاملة إلى النفعية أقرب منها إلى المروءة والإنسانية.
ولا ريب أننا بحاجة ماسة إلى كمية كبيرة من المشاعر الصادقة؛ حتى نحفظ الودّ فيما بيننا، ونبعد عن شبح الأوهام التي تعترينا، ولأجل أن تكون حياتنا مليئة بالمسرّات، بعيدة عن المكدّرات والمنغّصات.
وإن المتأمل في حياتنا ليرى عجباً؛ فلغة المشاعر التي تضفي علينا الدفء في قَرِّ الشتاء، وتهبّ علينا بالنسيم العليل في حرّ الهجير ـ تكاد تنقرض عند فِئام من الناس في هذه الأزمان.
كيف يكون ذلك؛ ونحن نتفيّأ ظلال دين عظيم يرعى هذا الجانب حقّ رعايته، ويحذِّر من أن تتضاءل تلك العواطف النبيلة، فيضيع بسبب ذلك من حقائق الشريعة، وعزة أهلها ما يضيع؟!