ومن هنا جاء الإسلام بما يربي تلك المعاني، ويحييها في النفوس؛ فنصوص الوحيَين - التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاطت بها إجمالاً أو تفصيلاً ـ مليئة بتقرير تلك المعاني السامية التي تنهض بالمشاعر، وتقضي على روح الأثرة والقسوة، والغِلظة والكزازة.
فلو أجَلْت فكرك في حِكَم الصلاة، والزكاة، والصيام والحج ـ وهي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين ـ لوجدت أن من أعظم حكم تشريعها مراعاة المشاعر، وقيام روح الألفة والمودّة بين المسلمين.
ولو ألقيت نظرة فيما يقرره الشارع من أوامرَ ونواهٍ وما جرى مجرى ذلك لرأيت ذلك راي العين.
ألا ترى أن الشارع يقرر ألا ننسى الفضل بيننا، وأن أحدنا لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يحقره؟
أليس الشارع يأمرنا بستر عورات المسلمين، والسعي في قضاء الحوائج، وتنفيس الكُرُبات، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز؟
أليس يأمر بإفشاء السلام، والرحمة بالخلق، والعطف عليهم، وحسن رعايتهم، ومداراتهم، والصبر على أذاهم.
أليس يأمر ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار، والوفاء للأصحاب، وحسن المعاملة للزوج والأولاد.
أليس يأمر بالأمانة وإنجاز الوعد، وحسن الظن، إلى غير ذلك من الأوامر التي ليس بعدها أمل لآمل، ولا زيادة لمستزيد.
وفي مقابل ذلك، فهو ينهى عن أمور كثيرة من شأنها أن توهي حبال المودة بين المسلمين، أو تنقض عُراها؛ فتراه ينهى عن العقوق، والقطيعة، وأذيّة الجار، والكبر، والحسد، والغل، والحقد، والبخل، والفظاظة، والوقاحة، والعِناد، والغيبة، والنميمة، والسب، واللعن، وإفشاء السر، والسخرية بالناس، والتعبير بالعبارات المستقبحة، والتخاطب بالألقاب السيئة.