فهرس الكتاب
أحدهما: التفريط في مضمون الدعوة أو عرضها ناقصة أو مبتورة أو خلطها بأمور مخالفة بزعم ترويجها أو التخلص من بعض القيود.
وثانيهما: تعرض الدعوة للوأد أو القضاء عليها نتيجة للمغالبات التي تفوق طاقتهم. ومن البيِّن أن الأسلوب أو الطريقة التي تتبع في ذلك قد تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر اعتماداً على أوضاع بيئة الدعوة وظروفها وإمكانات الدعاة وقوتهم.
ولا شك أن هناك أساليب كثيرة يمكن أن تتحقق بها الدعوة مع تفادي المحذورين المذكورين، ومن هذه الأساليب الأسلوب الذي اتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من باب السياسة الشرعية وليس من قبيل التشريع الدائم الذي ينبغي على الدعاة اتباعه وسلوكه في جميع الظروف والأحوال.
2 -مراعاة المصالح والمفاسد:
الشريعة كلها مبناها على المصالح؛ فما أمرت به فهو المصلحة الخالصة أو الراجحة، وما نهت عنه فهو المفسدة الخالصة أو الراجحة. وإذا تعارضت المصالح والمفاسد في الأمر الواحد بحيث لا يخلو من أحدهما بل يجتمعان معاً؛ فإنه يقدم الأرجح منهما؛ فما كانت مصلحته أرجح من المفسدة عُمل به وعُوِّل عليه، وما كانت مفسدته أرجح من مصلحته تُرك ولم يعوَّل عليه. وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه المراعاة في موقفه من أذى المشركين له ولأتباعه في مكة حينما جهر بدعوته؛ فقد بدأ المشركون في الصد عن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحذير القادمين إلى مكة منه وحرصهم على ألا يجلس إليه أحد، كما بدؤوا في إيذاء المسلمين وإهانتهم وتعذيب الضعفاء منهم، وقد كان في ذلك ظلم شديد للمسلمين؛ والعربي نفسه أبية لا تحتمل الضيم ولا تقبله حتى قال قائلهم:
ولا يقيم على ضيم يُسام به *** إلا الأذلاَّن: عير الحي والوتدُ
هذا على الخسف مربوط برمته *** وذا يشح فلا يرثي له أحدُ