فهرس الكتاب

الصفحة 2360 من 4219

فكيف إذا انضاف إلى ذلك الإسلام؟ ورد الظلم وإباء الضيم مصلحة {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41] . لكن كان في رد الظلم والانتصار للنفس في ذلك الظرف إلى جانب تلك المصلحة مفسدة كبيرة تربو عليها، فكانت السياسة الشرعية في ذلك الوقت منع المسلمين من الرد على المجتمع الجاهلي والأمر بالصبر واحتمال الأذى؛ فإن أحداً لا يدري في تلك الظروف مع قلة المسلمين وضعفهم وقوة المجتمع الجاهلي ماذا يمكن أن تسفر عنه المواجهات بين المسلمين وعدوهم؟ فقد تتمخض عن معركة كبيرة يفنى فيها المسلمون أو أكثرهم، أو قد تتدخل القبائل دفاعاً عن أبنائها (ولو كانوا مسلمين بدافع العصبية الجاهلية) مما يمكن أن تنشأ عنه ما يعرف بالحرب الأهلية مما لا يوفر ظروفاً مساعدة للدعوة، بل تتقوقع الدعوة في هذه الحالة وتنحصر أو غير ذلك من الاحتمالات التي تخسر فيها كل ما حققته من مكاسب، فكان احتمال الضيم على ما فيه من إيلام وقسوة على النفوس الأبية أهون شراً وأقل ضرراً من محاولة دفع الظلم، لكن هذه المراعاة للمصالح والمفاسد لا تتم مع الاستكانة والشعور بالمذلة أو التعرض للإبادة الكاملة، لكنها تكون مع الاستعلاء بالدين والشعور بالعزة، ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأجواء وهو يأمر أصحابه بالصبر يبشرهم بالعز والنصر والتمكين ويقسم على ذلك؛ ففي حديث خباب بن الأرت أنه قال: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت