فهرس الكتاب

الصفحة 2368 من 4219

إن الصادق يبلّغ رسالات ربه على أي حال، وفي أي وضع في السجن وفي خارج السجن، بالعبارة المسموعة وبالمقالة المقروءة وبالإشارة المرئية، بل بالسكوت حيث يحسن السكوت وبالمعاملة الطيبة ولن يملك مخلوق أن يحجر على الناس الدعوة إلاّ في نطاق ضيق مخصوص

وهذا الأسلوب من يوسف - عليه السلام - من باب التشويق؛ لأنه لو أخبرهما بتعبير الرؤيا قبل أن يدعوهما إلى الله لانشغل كل واحد منهما بتعبير رؤيته، فالذي قيل له: إنه سيخرج وسيسقي ربه خمراً سينشغل باله بالخروج والاستعداد له، والذي قيل له: ستصلب سينشغل باله بالقتل ومآله، فإذا حدّثهما عن الدعوة لم يكونا قد هيِّئا لهذا الأمر، فقال لهما: سأؤجل تعبير الرؤيا؛ لأنه يعلم ماذا في الرؤيا، وبدأ يدعوهما والذهن صافٍ وبعيد عن الشواغل، وهذا أسلوب رائع من يوسف - عليه السلام - وفيه دروس أهمها:

إن الداعية لا يحول بينه وبين تبليغ دعوته أي شيء ما دام على قيد الحياة، العالم الصادق لا يستطيع أحد على سطح الأرض أن يمنعه من تبليغ دعوته ما دامت عينه تطرف وقلبه ينبض ولسانه معه، وهكذا كان يوسف، فمع أنه سُجن غير أنه لم يترك الدعوة إلى الله - جل وعلا - بل تستطيع إذا ابتليت وأسأل الله أن يعفيك- أن تدعو إلى الله ولو مع السجان حتى لو حيل بينك وبين الناس وعزلت وحدك، فلا بد أن يأتيك السجان عند أكلك وشربك فتستطيع أن تدعوه.

والدعوة في السجن لها أساليب ووسائل عدة فقد لا تكون بالكلام بل بالخلق وبالمعاملة، فمن عامل الناس بأخلاقه لا بأخلاقهم، اطرد في حياته، وكان لفعله وقوله تأثير، وهناك خلل يقع فيه البعض حيث تتناقض أخلاقه تبعاً لأخلاق الناس، فلو لم يكن مع المسجون إلا أن يتعامل مع السجان بالخلق الصحيح لكان دعوة له كيف إذا أتيحت له الفرصة في الكلام معه ووعظه.

إن الوسائل تختلف، وكذلك الأساليب تتنوع وبعض الأساليب والوسائل أقوى من بعض حتى في السجن فلا عذر لأحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت