ومن أعظم ما يُتوسل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم: البذلُ لهم مما يملك المرء من حُطام هذه الدُّنيا، واحتماله عنهم ما يكونُ منهم من الأذى. فمن عدم المال فليبسط وجهه للناس؛ فإنَّ ذلك يقوم مقام بذل المعروف، إذ هو أحد طرفيه، وقد سُئل ابن المبارك عن حسن الخلق، فقال: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف) .
استعمال المداراة وترك المداهنة مع الناس: قال أبو حاتم - رضي الله عنه:"الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دُفع إليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة، إذ المداراة من المداري صدقة له، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه، والفصل بين المداراة والمداهنة: هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلَّق المرء بخلق وشابه بعض ما كره الله منه في تخلقه، فهذا هو المداهنة؛ لأن عاقبتها تصير إلى قلّ. ويلازم المداراة: لأنها تدعو إلى صلاح أحواله، ومن لم يدار الناس ملَّوه، كما أنشدني علي بن محمد البسامي:"
دار من الناس ملالاتهم *** من لم يدار الناس ملُّوه
ومُكرمُ الناس حبيب لهم *** من أكرم الناس أحبوه
وعن ابن الحنفية قال: (ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدًّا، حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج) .
قال أبو حاتم - رضي الله عنه: من التمس رضى جميع الناس التمس مالا يُدرك، ولكن يقصد العاقل رضى من لا يجد من معاشرته بُدًّا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن مأثمًا، فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم، فكيف توجد السلامة لمن لا يداري؟!.