وقال: [فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون] [الأحقاف: 35] .
ولقد فعلت هذه الآيات فعلها في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه صار يعلم من خلالها بأنه ليس وحده الذي سلك هذا الطريق، فقد سبقه إخوان له، نالهم من التكذيب والأذى ما ناله، ولقد نصرهم الله - جل وعلا - بعد صبرهم على المحن والابتلاءات، فاصبر كما صبروا، وأبشر بنصر الله:
[إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد] [غافر: 51] .
الدعاة إلى الله اليوم يتعرضون لألوان من القهر والتكذيب والتشريد لا تحصى، وليس لهم في هذه الأحوال التي تمر بهم إلا الالتجاء إلى الله يتلون آياته، ويستقون منها العبر والعظات، ويتأسون بسيرة رسول الله وسير من سبقه من الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين مع أقوامهم.
ومن أهم هذه السير: سيرة موسى - عليه السلام - مع الطاغية فرعون، وسيرته مع بني إسرائيل، وذلك لأننا نواجه في حياتنا طغاة مثل فرعون وملئه، كما نواجه أبناء القردة والخنازير الذين احتلوا قدسنا، وأقاموا دولة في فلسطيننا.
أي والله: في عصرنا هذا فراعنة يفكرون بالعقلية التي كان يفكر بها فرعون موسى: فهم يعتقدون أنهم معصومون [فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل] ، وما يقولونه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكل من لا يرى رأيهم ولا يقول بقولهم مجرم خائن، يجب أن ينال الجزاء الذي يستحقه، وهم الذين يختارون نوعية هذا الجزاء، فقد يختارون له السجن يعيش فيه حياة لا تطاق، ويبقى على هذه الحال حتى يفنيه الدهر، أو يموت تحت التعذيب، وقد يريحونه من حياة السجن وينفذون فيه حكم الإعدام.