صنف: يظهر أيام الرخاء، فيشتهرون بخطبهم ومحاضراتهم، ويجيدون هزّ المنابر، وهم يتحدثون عن أئمة الإسلام الذين كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر أمثال: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن جبير، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وغيرهم وغيرهم، فيفتتن جماهير المصلين بهم وهم يستمعون إلى تفسيرهم لآيات الصبر على المحن والابتلاءات.
فإذا زالت أيام الرخاء، وتعرضت الأمة لمحنة، وبلغت القلوب الحناجر من شدة الكبت والاستبداد، تطلعت أنظار الناس إلى هؤلاء الخطباء الدعاة منتظرة منهم موقفاً كمواقف أئمة الإسلام الذين كانوا يلهبون مشاعر الناس بالحديث عنهم، ويصاب الناس بخيبة أمل عندما لا يجدون من هذا الصنف إلا الجبن والهلع والرعب، والأسوأ من ذلك أنه يسمون مواقفهم الجديدة: واقعية، وحكمة، ثم يتحولون إلى دعاة لتجنب العنف ومواطن الهلاك، وتحذير الأمة من التسرع والطيش وتهييج الغوغاء.
وصنف: يكتمون انتماءهم الدعوي في الرخاء والشدة، فلا خطب ولا محاضرات ولو كانوا قادرين على ذلك، ولا يتحدثون عن الدعوة إلا في غرف مغلقة، وبين عدد محدود من أقرانهم الذين يطمئنون إليهم، ويكاد من يعرفهم لا يجد فرقاً من حيث المظهر بينهم وبين عامة الناس .. هؤلاء يحسبون ألف حساب لكل خطوة يخطونها، ولكل كلمة يتفوهون بها، ولكل موقف يقفونه، وبعد هذا الحساب كله، وما يتخلله من جمع وطرح لا ينتظر المراقب للأحداث منهم أي موقف يغضب الطغاة، وليسوا مستعدين للتضحية بمصالحهم ومناصبهم.
هؤلاء يقرأون في كتاب الله قصة مؤمن آل فرعون ويتأثرون بها في حدود سياقها التاريخي، ولكن ليس بينهم من يسأل نفسه:
لماذا لا يكون لي موقف كموقف مؤمن آل فرعون؟!.
ولماذا لا أنتصر لعلماء الأمة كما انتصر المؤمن لموسى؟!.