وهؤلاء هن أخوات الرجال حين يتحملن المسؤولية بثبات وقوة يأبهن بحجارة الواقع .. بل يمتطين سلم المجد نحو نور الله بكل ما امتلكن من وسائل .. ولم يكن هذا موقف خديجة فحسب بل نراها تنفق مالها لأجل الإسلام .. تبذله دون التفكير بغد قد يكون الفقر فيه أمراً واقعاً فلا فقر مع نور الإسلام ولا غنى مع ظلمة الكفر.
ظلت خديجة تساند الدعوة حتى توفيت بعد حصار الشعب في العام العاشر من البعثة .. فكانت وفاتها عام حزن نبينا - صلى الله عليه وسلم - .. فاضت معها دموعه يرجو من الله الرحمة ويبكي ضعف الحال .. وتتتابع الأيام ليتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدها بنساء كثيرات لكنها ظلت باقية في خلده تعطر بأريج ذكرياتها حياته .. فهذه دموعه تعاوده حين رأى قلادتها التي أهدتها لابنتها زينب يوم زواجها قد جاءت بها زينب لتفدي زوجها الأسير أبا العاص بن الربيع يوم بدر فيسأل أصحابه بأن يردوا عليها قلادتها ويفكوا لها عانيها .. وكثيراً ما روي عن بريق يلوح في عينيه حين يسمع صوت أختها هالة وكان شديد الشبه بصوتها فيهتف قلبه قائلاً: اللهم هالة ليسرع مرحباً مهللاً بها .. فلم تتمالك عائشة نفسها من أن تقول بغيرة المرأة المحبة: (ما تذكر من عجوز من عجائز قريش هلكت في الدهر أبدلك الله خيرا منها) فيغضب ويحمر وجهه ويجيبها قائلاً: (والله ما أبدلني الله خيراً منها آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء) ، فأمسكت عائشة عن ذكرها وهي تقول: (والله لا أذكرها بعدها أبداً) .
هذا هي خديجة بنت خويلد المرأة والأم والحبيبة والزوجة الصالحة التي عانقت قلب نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه حتى بعد وفاتها .. فما أجل من أن نجعلها نحن معشر النساء نبراساً نرى فيه خطوات واثقة لزوجة داعية حفرت بصماتها في تاريخ الإسلام ...
ذي الحجة 1423هـ.