فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 4219

ولما كانت نفس الخطيب المؤمن تشبه مولدًا للكهرباء، فإن الإيمان ينسكب من نفسه مع ألفاظه يشق طريقه إلى القلوب شفًا. ومن ثم كان الجيل الذي صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الأجيال، لعظم ما أفاد منه وانتفع به وأفاد الدنيا ونفع.

ومع هذه المنزلة للخطابة فإن لها قسمًا لا يقل عنها جدوى، ولا تستغني الدعوة عنه أبدًا، وهو الكتَابة، بل إن ما ارتبط بالخطابة من أجواء عاطفية يجعل مجالها متجهًا إلى المشاهدة قبل كل شيء، وإن اعتمدت على سلامة المنطق بداهة، لكن الكتَابة على العكس، تتجه إلى العقل وتقوم على الاستعراض المنظم المتأني للأدلة المؤيدة والمفندة، ولا بأس أن ينضم إلى ذلك أسلوب جيد وسياق جذاب.

ثم إن الخطابة موقوتة الفرص، منتهية بانتهاء مجالسها، وانفضاض مجامعها، أما الكتابة فهي أخلد على الزمن وأعصى على الفناء، والواقع أن الخطب النفيسة، تتحوّل إلى أدب مكتوب، فإن كانت حافلة بعلم نافع أو وعظ بليغ كان بقاؤها في الصحائف امتدادًا في إمكان النفع بها، وإن كانت صاحبها قد مات، وضاع الأثر المقترن بسماعها منه وهي تنبض بالحياة من فمه، وتخرج مفعمة بخصائص نفسه!

والكتابة المؤلفة في خدمة الرسالات المختلفة كثيرة، ومداها في نشر الدعوات بعيد، وحسبنا أن الإسلام يعتمد في خلوده، ونضارة رسالته، وتجدد دعوته على كتاب فَذّ هو معجزة الدهر، وصوت السماء الصدوق المبين، قال تعالى: (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42) ، ومنذ بدأ الإسلام والمؤلفون دائبون على مدرواته بالقلم، حتى لقد رُوي في الأثر - مبينًا لهذا الجهد - (يُوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت