فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 4219

والملاحظة الأخرى: أن الكتابة العلمية - التي استبحرت قديمًا ثم جمدت أيام الانحلال والتخلف وهجوم الاستعمار ـ لا تزال دون تقدم الوعي الإنساني في هذا العصر، ودون اتساع دائرة التعلم والتعليم، وانكماش الأمية الفكرية في كل قطر.

إن المحدثين مازالوا عالة على القدامى، ولولا صلاحية القرآن لشتى الأعصار لكان تخلف المسلمين العلمي سببًا في زوالهم، والمطلوب أن ينتفض الجيل المعاصر انتفاضة الحياة، ويشرع في خدمة الإسلام، الخدمة العلمية المناسبة لهذا العصر.

وإني لأذكر - محزونًا مكروبًا - أن العلماء المجددين لأمر الإسلام يكافحون في وجه عنت هائل، ويبذلون جهود الجبابرة ثم يطويهم الجهل والغمط والنكران، فما يكاد ينتفع بآثارهم إلا الأقل الأقل.

لقد مات محمد فريد وجدي بعد حياة مليئة بالمجد العلمي، وها هو ذا قد مرت بضع سنين على موته، فما ذكره أحد بكلمة رثاء، ولا طبع له كتاب نقد، ويوشك أن يطويه ومؤلفاته النسيان، فما هذا؟ والحال كذلك بالنسبة إلى الشيخ محمد رشيد رضا، العالم الأديب الجليل الشأن، وأعرف غيرهم من أصحاب الأسماء التي لم تحظ بالشهرة، وإن أسدت للإسلام أعظم المنافع، فالشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، رتّب"مسند ابن حنبل"وفق الأحكام الفقهية في خمسة وعشرين مجلدًا، ومع ذلك فقد ترك الدنيا وكأنه رجل أمي لم يخط حرفًا، فضلًا عن أن ينشئ هذا العمل الضخم، وإن قليلًا جدًا هم الذين أحسُّوا فقده، ولسنا نأسى على الموتى، فقد أفضوا على الله تعالى الذي يضاعف الحسنات، وإنما نأسى على الأحياء الذين لا يحسنون الانتفاع بثمرات المجددين الذين عاشوا مع الزمن يدفعون عن الإسلام، ويحرسون أركانه، ويجلون بريقه.

إن الكتابة العلمية الواجبة في هذا العصر يجب أن تتسع وتطرد، وهناك أمور ذات بال نحب أن نلفت إليها حتى يؤدي القلم حق الإسلام عليه في ذكاء وحصافة ومقدرة، وفق مقتضيات الأزمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت