امتداداً للمظهر السابق من مظاهر الأزمة، لا بد من التنبه إلى أن مسؤولية نقل الرؤية الشرعية الراجحة والتصور الإسلامي الصحيح لما يجب أن يكون عليه واقع المسلمين اليوم، من مرحلة التنظير والتدليل التي أجادت الدعوة في بلورتها ونشرها إلى مرحلة التطبيق العملي الملموس، لا يمكن أن تنفرد بها قلة أو نخبة، وسيكون من الإجحاف والظلم تكليفهم لوحدهم بهذه المسؤولية.
وهذه المعضلة بالتحديد هي مفترق الطرق للعديد من الدعوات المعاصرة، فالعجز والخلل والارتباك يتضح بأجلى صوره عند تحول هذه الدعوات إلى البرامج العملية الواسعة للتغيير، وكأنها تحسب أن دورها ينتهي بالإحياء العلمي والتأصيل النظري، بينما هو في الحقيقة لا يبدأ إلا مع الإحياء العملي للحق والعدل والسُنّة، ومع الخطوات والجهود الميدانية لنقل الواقع مما هو عليه من مخالفات إلى الرؤية الإسلامية الصحيحة. وما تفعله قبل ذلك ليس إلا بعثاً وتجديداً لعلمٍ سبقها إليه من كان قبلهان ونوعية وحكمة ذلك الإحياء العملي وتلك الخطوات والجهود هي المحك للنجاح أوالفشل في مهمة التغيير، وليس حجم العوائق المحيطة.
والدعوة المحلية ليست بدعاً في ذلك، ومعضلة التغيير العملي هي أبرز ما تواجهه، رغم قلة البحوث والدراسات لذلك، وعجز القلة يعود بالدرجة الأولى لانعدام الرؤية الاستراتيجية للتغيير عند عموم الأوساط الإسلامية، بدون خلق أجواء دعم ومساندة واسعة، وبرامج تفعيل ومتابعة لجهود تغيير القناعات والترويج للرؤية الإسلامية الصحيحة، وهذا سيقتضي وجود علاقات عامة فعالة وحركة ميدانية حية بين كافة الطبقات ومهارات عالية في التواصل مع الناس والصبر على أذاهم.