وهذه نتيجة حتمية للتباين بين القيادات وظهور الفراغ الملموس في القيادة التوجيهية المؤثرة والقادرة على التوحيد والتفعيل، سواءً على المستوى الفردي أو الجماعي، ومظاهر هذا الارتباك واضحة للعيان وتتلمسها في هذا المجلس أو تلك العبارة، ويزيد من تفاقمها الحضور المتهور للتيار الجهادي، وتراجع الدعوة التربوية على المستوى الجماهيري العام أمام هجمات التغريب والعلمنة، وضعف مشروعها أمام نفوذ ونجاح خصومها.
10.رجال دعوة وحسبة ودولة!؟:
من المفارقات، التي قد تفسرها الضغوط المتتالية من الخصوم، والشعور بالهزيمة مع الفراغ القيادي، لكنها لا تبررها أبداً، إصرار الجميع على الخوض في قضايا الشأن العام، فأصبحت كوادر الدعوة على مختلف مستوياتها تشعر بالأزمة وتبادر على سجيتها للمساهمة في الحل، وأحياناً تجد من يؤيدها باعتبار الحاجة لتفعيل الطاقات، وهذا مظهر من مظاهر الأزمة وعامل من العوامل الخطيرة لتفاقمها، فالدولة وشؤونها والتعاطي مع رجالها ومؤسساتها تحتاج عناصر منتقاة ومؤهلة بعناية.
11.صناعة المواهب ثم تكبيلها:
وهذه مأساة بحد ذاتها، حين ترى المواهب الفردية المتعددة التي تزخر بها الساحة الدعوية ثم لا تتمكن من استثمارها وتنميتها ولا تتمكن من خلق فرص ومشاريع وبرامج دعوية تنطلق من ملكات وقدرات هذه المواهب وتستوعبها؛ والسبب هو: التحفظ التقليدي عند صاحب القرار الدعوي على بعض هذه المواهب وأفكارها المتعدية، وهذا في تقديري هو الفشل بعينه، فالنجاح هو في كسب هذه النماذج وحسن الاستماع لها واستمرار قناعتها بالمشروع الدعوي وتفاعلها معه، وليس افتعال مشكلة معها والتضييق عليها حتى تهرب بعيداً عنا، والموهوبون بطبعهم مشاكسون، والحل الأسهل لمشكلتهم عند المسؤول التقليدي يكمن في التخلص منهم والإبقاء على المسالمين الطيعين، في حين أننا نردد كثيراً أهمية تربية القادة وليس الأتباع، ولا أدري كيف نصنع القادة من الطيّعين!؟