وتمثل الخطابة إحدى وسائل الدعوة التي تشمل وسائل أخرى عديدة، منها: القدوة الحسنة، والتعليم والتذكير، والكتابة بأنواعها، والترغيب والترهيب، والعمل المتواصل من أجل قضاء مصالح الخلق، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية المختلفة، والقيام بكل ما يوصف بالعمل الصالح في مجتمع من المجتمعات.
ومن الخير أيضاً أن نفرق بين المقومات من جانب والصفات أو الخصائص من جانب آخر، فالمقومات هي ما يكوِّن الداعية ذاته وينشئ بنيانه، أما الصفات والخصائص فهي شيء خارج عن تكوينه، فالمبنى مثلاً يتكون من مواد كونت بناءه، هذه هي المقومات، أما الصفات والخصائص فهي أن يكون المبنى مرتفعاً وحجراته واسعة، ولونه كذا ... الخ، فالمقومات بتعبير المناطقة جوهر، بينما الخصائص والصفات عَرَض.
ويطيب الحديث عن مقومات الداعية وخصائصه إذا كان موضوعها داعية كبيراً مثل الشيخ محمد الغزالي.
يرى الغزالي ابتداءً أن الناس لا غنى لهم عن هداية الله كما لا غنى لهم عن رزقه، فهم فقراء فيما يطعم أبدانهم من جوع، وفيما يزكّي أرواحهم من كدر.
ومهما أوتي بعضهم من ذكاء أو صفاء، فإنه لن يستطيع تدبير شأنه وإصلاح أمره بعيداً عن وحي الله وتعليم أنبيائه.
إن الأمم إذا لم تنتعش برسالات السماء، فهي جماهير من موتى القلوب، أو هي ألوف من الرمم الهامدة، وإن حركتها الغرائز السافلة. والأمم مهما ارتقت من الناحية النظرية أو الصناعية، فإن بعدها عن الله يزين لها من الجرائم ما تنحط به إلى الدرك الأسفل، وما تتعرض به لأوخم العواقب.
ومالجفاف الروحي، والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين، والصدود الغريب عن تراث النبيين، وغلبة الأثرة والجشع على الأقوياء، وسيادة المنطق المادي في كل شيء ... إلا نذير شؤم، وأي تقدم يحرزه العلم في تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل، ما لم يصحبه عود سريع إلى الله، وإعزاز لأمره، وإعلاء لشرعه (1) .