ويؤكد الشيخ دوماً أن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة، فالأمم العظيمة ليست إلا صناعةً حسنة لنفر من الرجال الموهوبين، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض الموات، وأثر الشعاع في المكان المظلم، وكم من شعوب رسفت دهراً في قيود الهوان، حتى قيض الله لها القائد الذي نفخ فيها من روحه روح الحرية، فتحولت بعد ركود إلى إعصار يجتاح الطغاة ويدك معاقلهم (2) .
إذا كان الأمر بهذه الأهمية، فليس كل إنسان بداهة يصلح أن يكون داعية، فقد يكون المرء عالِمًا كبيرًا، ولا يكون داعيةً، فالداعية له خصائص قد لا تتوافر لغيره من العلماء الباحثين، والدعاة أنفسهم متفاوتون في حظهم مِن هذه الخصائص.
وربما تبدو هذه الخصائص لأول وهلة نعوتاً عامة يجب وجودها في جماهير المسلمين، ولا يختص بها نفر من الناس، بيد أن هذه النعوت وإن كانت شائعة في عامة المؤمنين فإن أنصبة الدعاة من معناها يكون أربى وأزكى.
إن حقائق الدرس بعد أن يشرحها الأستاذ قد تظهر متساوية لدى الجميع، وقد يظن التلاميذ أنهم ومعلمهم أصبحوا سواء في وعيها، وهذا بعيد، فإن الأستاذ لديه من رسوخ المعلومات ووضوحها ومن القدرة على تقليبها وعرضها ما يعز على غيره.
وقد يوجد في الناس من امتلأ قلبه بالإيمان، لكن هذا الإيمان لا يعدو أصحابه، والإناء لكي يرشح على ما حوله يجب أن يفيض، وأن ينزل فيه ما يزيد على سعته وما ينسكب من جوانبه، فنفوس الدعاة يجب أن يكون لديها مقادير من اليقين والحماس والفضل يتجاوزها إلى ما عداها ويجعل الاستفادة منها ميسرة للآخرين (3) .
وقد استقرأنا استقراء سريعاً كتب الشيخ وتراثه فوجدنا أبرز خصائص الداعية الناجح ومقوماته تتمثل فيما يلي:
أولاً: حسن الصلة بالله تعالى:
وهي الصلة التي إليها يفيء الداعية ويرجع، وعليها يعتمد ويعوِّل، ومنها يستمد ويقتبس، ولها يدعو ويبتهل، وعندها تجد نفسه راحتها وعزاءها.