فهرس الكتاب
والشيخ الغزالي يسميها"الدعامة الأولى في أخلاق الدعاة"، ولا يجوز عنده أن ينفك هذا الخلق عن داعية من الدعاة؛ إذ كيف تدعو الناسَ إلى أحد وصلتك به واهية، ومعرفتك به قليلة؟ وقد قال الله تعالى: الرحمن فاسئل به خبيرا (59) (الفرقان) .
ويشهد التاريخ أنه ما من نبي أو داعية أو مصلح إلا وكان له من حسن الصلة بالله النصيب الأوفر والقدح المعلَّى، وكانت صلته بالله قوية لا تخبو، حاضرة لا تغيب.
وإذا كان حسن الصلة بالله مطلباً ضرورياً لكل مسلم، فكيف يكون حكمها في شأن الداعية؟
إن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله، ولدفع الناس إلى سبيله وصفِّهم في طريقه لابد أن يكون شعورهم بالله أعمق، وارتباطهم به أوثق، وشغلهم به أدوم، ورقابتهم له أقوى وأوضح.
يوضح الشيخ طبيعة هذه العلاقة بأنها روح ينفث الحياة، وينبض بالحركة والقوة، ويشيع الضوء والدفء أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (الأنعام:122) .
وهذه الصلة تشمل في موكبها أرقى ما في الحياة، وأكفل أسباب النجاة؛ ولهذا حقٌّ على الدعاة ألا يهنوا في الحياة وألا يهونوا، وألا يعدلوا بنسبتهم إلى الله شيئاً، وأن ينظروا إلى الحياة على أنهم أكبر منها، وأن تغلب رؤيتهم لله كل ما يملأ العين في زحام الأحياء وتكاثرهم (4) .
إن حسن الصلة بالله تعالى ما دام الداعية مجتهداً مبلغاً يسدد الخطو، ويكمل النقص، ويجبر الكسر، ويجعل الداعية عزيزاً شامخاً؛ لأنه ينتسب إلى الركن الذي لا يميل، ويحتمي بالحمى الذي لا يُنال، ويعتمد على القوة التي لا تُقهر.
ثانيا: إصلاح النفس: