كما يحتاج الداعية إلى علوم العربية والأدب شعراً ونثراً، ف"الداعية الذي يشعر بغربة في ميدان الأدب يجب أن يترك ميدان الدعوة لفوره، فإن الذي يحاول خدمة الرسالة الإسلامية دون أن يكون محيطاً بأدب العربية في شتى أعصارها إنما يحاول عبثاً، وأنى لرجل محروم من حاسة البلاغة أن يخدم ديناً كتابه معجزة بيانية، ورسوله إمام للحكمة وفصل الخطاب"؟! (17) .
ويركز الغزالي في الثقافة على فهم القرآن أولاً قبل السنة بالذات؛ لأن السنة مبينة له، وشارحة لغامضه، وموضحة لمبهمه، وقد قال الله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون 44 (النحل) فالنفس الإنسانية لا تدرك أطرافاً من الكمال الأعلى يغرس في أعماقها أروع العقائد وأرسخ الإيمان إلا إذا اتصلت بهذا القرآن واستمعت إليه وفتحت أنظارها لهديه (18) .
سادساً: صفات جامعة:
وهناك صفات أخرى عديدة لعل أهمها الشجاعة والجرأة ما دام الداعية على حق في مواجهة باطل، وهي صفة يسقط عندها كثير من الدعاة إلا من عصم الله وسدد، ذلك أن فتن الحياة كثيرة، فهذه رغبة في مال أو منصب تُثني، وتلك رهبة عن طريق رزق أو ولد تصد، وهذا سلطان يخيف، وذاك جبار يُقعد. إن الفتن من حول الإنسان كفيلة أن تُقعد الداعية وتُثنيه عن قولة الحق والصدع بها ما لم يكن معه من الإيمان وحب الحق والطهر ما يجعله يوضح معالم الهدى، ويعلي كلمة الله.
والشجاعة في الجهر بالحق عند الشيخ تنبعث من اجتماع خلقين عظيمين: أولهما: امتلاك الإنسان نفسه، وانطلاقه من قيود الرغبة والرهبة، وارتضاؤه لوناً من الحياة بعيداً عن ذل الطمع، وشهوة التنعم، فكم من داع يبصر الحق ويقدر على التذكير به، ولكنه يحتبس في حلقه فلا يسمع به أحد، لماذا؟ لأنه لو نطق لحرم من هذا النفع، أو لغضب عليه هذا الرئيس، أو لفاته هذا الحظ، فهو إيثاراً لمتاع الدنيا يلزم الصمت ويظلم اليقين (19) .