وإذا قلنا: إن الخطاب بفرض الكفاية والإعلام به يتوجهان إلى الأمة؛ فإنما نريد من الأمة: القادرين على القيام به خاصة، وهؤلاء هم الذين تحق عليهم كلمة العذاب حيث لا تنهض به طائفة منهم، فلا جناح على من لا يستطيع الدعاء إلى خير أو الدفاع عن حق، إذا سكت المستطيعون إليه سبيلاً.
ولو ضل قوم عن سبيل الخير، أو جهلوا معروفاً، أو ركبوا منكراً، وقامت طائفة تدعوهم أو تأمرهم أو تنهاهم بأسلوب ليس من شأنه التأثير في أمثالهم لبقيت هذه الفريضة ملزمة في أعناق الذين يستطيعون أن ينفذوا بألمعيتهم إلى نفوس الطوائف، ويصوغوا إرشادهم وموعظتهم على الطراز الذي تألفه نفوس الطائفة التي يحاورونها.
وليست القدرة على الدعوة: في قوتي الحجة والبيان وحدهما، بل تأخذ معهما كل ما يتوقف عليه إقامة الدعوة [مما هو شرعي في أصله، غير مخالف في تطبيقه] ؛ كوسائل نشرها في بيئة نفقت فيها سوق الفسوق، أو خفقت فيها ريح الإلحاد؛ فهذه الفئة الموعز إليها بالدعاية إلى غير هدى وغير أدب؛ قد ملكت لنشر باطلها وسائل أهمها الإنفاق.
وإذا وجب على الأمة أن تميط هذه الدعاية عن طريقها، فخطاب هذا الواجب يتوجه إلى الكُتاب والخطباء، ثم إلى كل من له شيء من القدرة على البذل في سبيل الدعوة، كفتح نواد لإلقاء المحاضرات، وإنشاء صُحف، أو مساعدة صحف تُظاهر الدعوة بإخلاص.
رفع كتاب الله منزلة القائمين على خطة الإرشاد؛ ومن آياته المحكمات قوله - تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"، فالآية تومئ إلى أن المخاطبين بها يُفَضّلون على سائر الأمم، وإنما نالوا هذه الأفضلية بمزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.