ومعنى الآية التي تطابق به غيرها من الآيات الآمرة بالدعوة: أنكم إذا استقمتم كما أمرتم، وقضيتم الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يضركم من اشتد به هواه، وتطوح به في وادٍ من الغواية (انظر المحرر الوجيز لابن عطية 5/ 214، وروح المعاني للألوسي 7/ 45)
ولا تقدر الدعوة الواجبة بعدد أو تضبط بقدر من الزمن إذا قضاه الداعي برئ من عهدته [والدليل عليه طول مكث نبي الله نوح - عليه الصلاة والسلام - في قومه كما قال - تعالى:"فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً" (العنكبوت، 14) ، وإنما يرجع في إبلاغها واستئنافها مرة أخرى بعد اجتهاد الداعي، ورجائه تأثيرها، وأخذها في نفوس المدعوين مأخذ القبول.
وإذا دعا"أي الداعي"طائفة إلى إصلاح شأن من شئونهم فعتوا عن أمره واستكبروا عن إجابته حتى أيس من إقبالهم على نصيحته، واستيقن عدم الفائدة من تذكيرهم، خلصت ذمته ولا جناح عليه أن يقف عند هذه الغاية.
وحمل بعض المفسرين (قال الإمام أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 8/ 459: والظاهر أن الأمر بالتذكير مشروط بنفع الذكرى ... وتتمة كلامه فيه فوائد أخرى فراجعه) مفهوم الشرط في قوله - تعالى:"فذكر إن نفعت الذكرى" (سورة الأعلى، 9) على مثل هذا الحال.
وبيان هذا التأويل: أنك إذا قمت بذكرى القوم على الوجه الأكمل ولم ينتفعوا بالذكرى وتمادوا على غوايتهم، فقد قضيت حق الدعوة، ولا عليك في أن تصرف عنهم نظرك وتدعهم إلى أيام الله.
ولا يقطع الداعي بعدم نفع الذكرى وضياعها كصيحة في فلاة! إلا إذا وجه بخطابها إلى قوم معينين مرة بعد أخرى، حتى عجم عيدانهم (أي: اختبرهم) فظهرت له دواخلهم، وكان على ثقة مما انطوت عليه نفوسهم من التقليد في الباطل، وإنكار الحقيقة في أي صورة ظهرت.